عبد المنعم الحفني

1547

موسوعة القرآن العظيم

من الملائكة في الإخبار عنها عندما أمره اللّه بذلك . وأهمية الاسم أن له مسمى ، وما ليس له مسمى فهو اسم باطل : إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ( النجم 23 ) ، والاسم الحقيقي هو ماك ان له مسمى حقيقي ، واسمه تعالى : « اللّه » حقيقي ، بدليل أن ليس له شبيه له اسمه ، كقوله تعالى : فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ( مريم 65 ) . وهذه الأسماء التي نوّه القرآن بها لتعليم آدم ونقله من الحيوانية إلى الإنسانية ، ومن الجهالة إلى العلم ، هي التي جعلت الفلاسفة من رهبان النصارى يتساءلون حولها في العصور الوسطى ، لمّا ازدهر بينهم تعلّم اللغة العربية وترجمة معاني القرآن ، فقالوا بفلسفة سمّوها الأسمائية أو الاسمية nominalism ، من الأسماء nominae ، وقالوا في تعريفها : هي إشارات المعاني في العقل ، وليست سوى أصوات تخرج مع النّفس flatus vocis ، فإذا جرّدت المعاني من إشاراتها لم يتبق منها في العقل شئ ، وإذن فالأفكار هي الأسماء ، والاستدلال هو الاستخدام الصحيح للأسماء في مواضعها ، وليس هو الانتقال من معان إلى معان أخرى ، وعلى ذلك فالأسمائية في القرآن كأنها « وضعية منطقية logical positivism » أو « واقعية realism » ، والفرق بين وضعية القرآن وبين « الوضعية المحدثة » أن الأخيرة تنفى وجود اللّه باعتبار أن اسم اللّه لا يقابل شيئا موجودا في الواقع ، وهو قصور ذهني واضح عند الوضعيين المحدثين من أمثال بلومبرج ، وفايجل ، وزكى نجيب محمود ، وآير ، ورايل ، وكارناب ، فاللّه قد ثبت وجوده بالخبرة ، وبالتجربة ، وبالواقع ، أو بالدليل والمنطق والبرهان . ولقد أفلست الأسمائية لمّا انحرف بها الأسمائيون إلى القول بأنه « لا وجود إلا للأسماء » ، سواء في العقل أو خارجه ، وهو النقيض الكامل لما جاء به القرآن ، فكل اسم تعلّمه آدم له مسمّى ، أطلعه عليه اللّه تعالى ، وأشهده على عين مسمى الاسم ، فليس اسم إلا وله المسمّى ، وهذه هي الوضعية المنطقية التجريبية الإسلامية ، كقولك زيد قائم ، فالاسم هو المسمى ، أي يراد به المسمى ، ومع ذلك فقد يراد بالاسم التسمية ، كقولك أسد ثلاثة أحرف ، فلم نرد بأسد المسمى ؛ وأما قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) ( البقرة 31 ) فإنّ « كلها » للإحاطة والعموم وليس للتعديد والخصوص ، ونفهم من الآية : أن اللغة تعلمها الإنسان فطرة من اللّه ، وهو معنى قولنا إن اللغات توقيف من اللّه ، وأن الإنسان أول ما يتعلم عن الأشياء أسماءها ، وأن هذه الأسماء لا تكون أسماء لها إلا إذا كانت توصيفا لمنافع الأشياء ، وأنه في تعلّم الأسماء ، فإن ما ييسره أن تصنّف الأسماء بحسب أجناس الأشياء ، وباعتبار منافعها . ونفهم من قوله تعالى : ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ أن تعلّم الأشياء لا يصلح له إلا إذا كانت